زكريا القزويني

106

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

( بحر الصين ) هو متصل بالبحر المحيط ، حده من المشرق إلى القلزم ومنه إلى المغرب ، وليس على الأرض بحر أكبر منه إلا المحيط ، ويقال له : بحر الهركند ، وهو كثير الموج عظيم الإضراب بعيد العمق . قال البحريون : جميع المد والجزر في بحر الهركند وما يتصل به كما في بحر فارس ، وكيفيته أن القمر إذا بلغ مشرق البحر ابتدأ بالمد ، ولا يزال كذلك إلى أن يبلغ القمر وسط سماء ذلك الموضع ، فعند ذلك ينتهي المد منتهاه ، فإذا انحط القمر عن وسط سمائه خرس الماء ورجع ، ولا يزال كذلك إلى أن يصل القمر مغرب ذلك الموضع ، فعند ذلك ينتهي الجزر منتهاه ، فإذا زال القمر من مغرب ذلك ابتدر المد هناك مرة ثانية ، ولا يزال كذلك إلى أن يصل القمر إلى وتد الأرض ؛ فحينئذ ينتهي المد منتهاه ثانيا ويبتدئ الجزر مرة ثانية إلى أن يبلغ القمر أفق ذلك الموضع ، فيعود الحال المذكور مرة ثانية . قال أبو الريحان في كتابه المسمى بالآثار الباقية : إن بحر الصين إذا قرب هيجانه يستدل على ذلك بارتفاع السمك من قعره إلى وجه الماء ، وإذا دنا سكونه يبيض طائر مشهور في البر في مجمع القرى ، وهو طائر لا يصير إلى الأرض أبدا ، ولا يعرف غير لجة البحر ووقت سكون البحر وقت بيضه ، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يحصى ، وفيه مغاص الدر في الماء العذب يقع فيه الحب الجيد ، وفي بعض جزائره ينبت الذهب ، وفيه الحيوانات العجيبة الأشكال ، وفيه الدردور وهو الموضع الذي إذا وقعت السفينة فيه لا تخرج ، ولنذكرها إن شاء اللّه تعالى . 48 فصل : في عجائب جزائر بحر الصين جزائر هذا البحر كثيرة لا يعلمها إلا اللّه « 1 » ، لكن بعضها مشهور يصل إليه الناس ، منها جزيرة راتج ، وهي جزيرة كبيرة في حدود الصين أقصى بلاد الهند ، يملكها ملك يقال له : المهراج . قال محمد بن زكريا : للمهراج جباية تقع في كل يوم مائتي من الذهب زنة كل من ستمائة درهم يتخذ منها لبنا ويطرحه في الماء وخزانته الماء . وقال ابن الفقيه : بها سكان شبه الآدميين ، إلا أن أخلاقهم بالوحش أشبه ، ولهم كلام لا يفهم ، وبها أشجار وهم يطيرون من شجرة إلى شجرة .

--> ( 1 ) قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ .